من الحديدة إلى تعز… ومن التحديات إلى التفوق
نموذج من قصص نجاح خريجي المنح التعليمية التي تقدمها مؤسسة أفق للتعليم والتنمية
إيناس مظهر عبدالحافظ سعيد
المحافظة – الحديدة
إدارة أعمال دولية – جامعة الرواد
التخرج: 2025م | التقدير: 91% – امتياز | الترتيب: الرابع
لم تكن رحلتي مع التعليم سهلة، لكنها علمتني أن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تكون سببًا للتخلي عن الحلم. بدأت قصتي في مدينة الحديدة، حيث عشت مع أسرتي حياة مستقرة، قبل أن تدفعنا الحرب إلى مغادرة منزلنا والانتقال إلى تعز بحثًا عن الأمان وبداية جديدة. كان انتقالنا صعبًا، خاصة بعد أن فقد والدي وظيفته، وأصبح تحمل أعباء الحياة أكثر صعوبة. ومع ذلك، ظل التعليم بالنسبة لنا أمرًا لا يمكن التفريط فيه. كنت أرى في والدي إصرارًا دائمًا على أن نواصل تعليمنا، وكان يؤكد لنا أن العلم هو الطريق الذي يجب أن نتمسك به مهما تغيرت الظروف.
في تعز واصلت دراستي، وأكملت الصفين الثاني والثالث الثانوي في مدرسة زيد الموشكي، حتى تخرجت بمعدل 94% بتقدير امتياز. كنت سعيدة بما حققته، لكن فرحة التخرج من الثانوية سرعان ما واجهتني بتحدٍ جديد؛ فالانتقال إلى الجامعة يعني أعباء مالية لم تكن أسرتي قادرة على تحملها بسهولة، خصوصًا مع فقدان والدي مصدر دخله. لم أرد أن تتوقف رحلتي عند هذه المرحلة، لذلك بدأت أبحث عن فرصة تساعدني على مواصلة تعليمي
فكانت منحة مؤسسة أفق للتعليم والتنمية نقطة فارقة في هذه الرحلة. لم تكن بالنسبة لي مجرد مساعدة لتغطية الرسوم الدراسية، بل كانت فرصة منحتني شعورًا بأن هناك من يؤمن بقدرتي على الاستمرار والنجاح. ساعدتني المنحة على مواصلة دراستي وخففت عن أسرتي جزءًا كبيرًا من الأعباء المالية، وهو ما جعلني أكثر تمسكًا بهدف الوصول إلى التخرج. أدركت حينها أن دعم الطالب لا يعني فقط مساعدته في دفع الرسوم، وإنما منحه فرصة حقيقية ليواصل بناء مستقبله عندما تكون الظروف من حوله عائقًا أمامه.
لكن الطريق لم يكن خاليًا من التحديات. كنت أسكن في مديرية صالة، وكانت رحلتي اليومية إلى الجامعة تستغرق قرابة ساعة في الذهاب ومثلها في العودة. ومع ذلك، لم أعتبر المسافة سببًا للتراجع. كنت أذهب إلى الجامعة وأعود لأواصل المذاكرة والواجبات، وفي الوقت نفسه كنت، بفضل الله، من حفظة القرآن الكريم، وأواصل دراسة وتحفيظ كتاب الله. كما حرصت على تعلم اللغة الإنجليزية، خاصة أن تخصصي يُدرّس باللغة الإنجليزية، وكنت أؤمن بأن تطوير لغتي جزء أساسي من تطوير مستقبلي العلمي والمهني.
كانت الأيام تمضي بين الجامعة والطريق الطويل والمذاكرة والاختبارات والقرآن واللغة الإنجليزية، وفي بعض الأحيان كنت أشعر بالتعب، لكنني كنت أتذكر الهدف الذي بدأت من أجله. تعلمت أن النجاح لا يأتي من خطوة واحدة كبيرة، وإنما من الاستمرار في خطوات صغيرة كل يوم، حتى عندما لا تكون الظروف مثالية. وبفضل الله أولًا، ثم دعم أسرتي، والفرصة التي وفرتها لي مؤسسة أفق، تمكنت من إكمال دراستي في إدارة الأعمال الدولية، وحصلت على تقدير امتياز بمعدل 91%، وحققت المركز الرابع بين زملائي. كان هذا الإنجاز بالنسبة لي جوابًا على كل تلك الأيام الصعبة التي ظننت فيها أن الطريق قد يكون أطول مما أستطيع تحمله.
وعندما أنظر إلى رحلتي اليوم، أجد أنها لم تكن رحلة للحصول على شهادة جامعية فحسب؛ فقد بدأت من مدينة الحديدة التي تركناها، مرورًا بظروف أسرتنا الصعبة وانتقالنا إلى تعز، ثم الطريق اليومي إلى الجامعة، والتمسك بالقرآن، وتطوير اللغة، والاجتهاد في الدراسة، حتى وصلت إلى التخرج والتفوق. ولهذا فإن منحة مؤسسة افق للتعليم والتنمية ستظل جزءًا مهمًا من قصتي؛ لأنها جاءت في وقت كنت بحاجة فيه إلى فرصة تساعدني على الاستمرار. ومن أعماق قلبي أشكر مؤسسة أفق للتعليم والتنمية وكادرها الإداري والعاملين فيها، وأخص بالشكر المهندس عبدالجبار اليوسفي، وكل المانحين والداعمين الذين أسهموا في توفير هذه الفرص. قد تبدو مساهمة المانح بسيطة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لطالب أو طالبة قد تعني الكثير، وقد تكون السبب في استمرار حلم كان مهددًا بالتوقف.
واليوم أرى أن التخرج ليس نهاية قصتي، بل بداية لمسؤولية جديدة. أطمح إلى استثمار ما تعلمته في تطوير نفسي وخدمة مجتمعي، وأن أكون يومًا ما سببًا في مساعدة طالب أو طالبة على مواصلة تعليمهم، كما وجدت أنا من يمد لي يد العون في الوقت المناسب. قد لا نختار الظروف التي نبدأ منها، لكننا نستطيع أن نختار كيف نواجهها وإلى أين نصل. بدأت رحلتي من الحديدة، وواصلتها في تعز وسط ظروف لم تكن سهلة، لكنني تمسكت بالتعليم حتى وصلت إلى التفوق. ولهذا أقول لكل من كان جزءًا من هذه الرحلة: شكرًا لأنكم لم تساعدوني على الوصول إلى الجامعة فقط، بل ساعدتموني على الاستمرار في الحلم.