نموذج من قصص نجاح خريجي المساكن الطلابية الخيرية التابعة لمؤسسة أفق
جوهر شهاب عبدالله عبده
خريج كلية العلوم الإدارية
– تخصص العلوم المالية والمصرفية – بجامعة تعز
بتقدير جيد جدًا
الترتيب الرابع
لكل رحلة نجاح بداية، وكانت بدايتي من بيئة غرست في داخلي حب التعلم والطموح والرغبة في صناعة مستقبل أفضل. واصلت دراستي المدرسية بشغف، وكنت أتطلع إلى الالتحاق بالجامعة وتحقيق حلمي الأكاديمي، لكن الانتقال إلى الحياة الجامعية لم يكن مجرد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى؛ فقد كان يعني بالنسبة لي مواجهة تحديات جديدة، أبرزها تكاليف الدراسة والاستقرار والسكن في مدينة جديدة.
في تلك المرحلة، جاء السكن الطلابي ليكون أحد أهم الأسباب التي ساعدتني على الاستمرار. لم يكن بالنسبة لي مجرد جدران وغرفة أقيم فيها، بل كان ملاذًا آمنًا ووطنًا ثانيًا. منحني الاستقرار النفسي والمادي، ووفّر لي بيئة مناسبة للدراسة بعيدًا عن القلق والتشتت والبحث المستمر عن مكان مناسب للإقامة. وبفضل هذا الاستقرار استطعت أن أوجه تركيزي نحو دراستي، وأن أعمل على تطوير مستواي وتحقيق نتائج أكاديمية متميزة.
كثيرًا ما أتساءل: ماذا كان سيحدث لو لم يكن هناك سكن طلابي يحتضنني في تلك المرحلة؟ ربما كانت مواصلة تعليمي الجامعي ستصبح أكثر تعقيدًا، وربما كنت سأضطر إلى تأجيل دراستي أو مواجهة ضغوط مادية ونفسية تؤثر في مسيرتي الأكاديمية. لذلك أستطيع القول إن السكن لم يزل عني عبئًا ماديًا فحسب، بل أزال عقبة كان يمكن أن تقف بيني وبين حلمي، وحوّل رحلتي من مجرد محاولة للاستمرار إلى رحلة نحو التفوق والنجاح.
كان السكن نقطة تحول حقيقية في حياتي؛ ففيه بدأت أنتقل تدريجيًا من مرحلة الاعتماد على الأسرة إلى مرحلة الاعتماد على النفس وبناء الشخصية. عشت بين طلاب لديهم طموحات وتجارب مختلفة، وتعلمت منهم الكثير، ووسّعت دائرة معارفي وأفكاري. وجودي في بيئة تجمع طلابًا متميزين وطموحين جعلني أكثر تفاؤلًا بالمستقبل، وأكثر إصرارًا على أن أكون جزءًا من النجاح، لا مجرد متفرج عليه.
أثر السكن في شخصيتي لم يكن أكاديميًا فقط، بل امتد إلى مختلف جوانب حياتي. فقد تعلمت فيه إدارة الوقت والانضباط وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، كما تعلمت معنى التعايش واحترام الآخرين والتواصل الفعال والعمل بروح الجماعة. عشت في مجتمع طلابي مصغر جمع شخصيات وأفكارًا مختلفة، وكان عليّ أن أتعلم كيف أفهم الآخرين وأتعاون معهم وأتعامل مع التحديات اليومية بحكمة ومرونة. لذلك خرجت من السكن وأنا أحمل معي مجموعة من المهارات والقيم التي لا تقل أهمية عن الشهادة الجامعية.
لم ينتهِ أثر السكن بالنسبة لي عند لحظة التخرج، بل أصبح جزءًا من شخصيتي التي دخلت بها إلى سوق العمل. التحقت بالعمل في مجالي المهني المصرفي، وبدأت أوظف ما تعلمته خلال دراستي الجامعية في عملي، وأتعامل مع التحديات بروح المسؤولية والانضباط. وحتى اليوم، أضع ضمن خططي المستقبلية مواصلة دراساتي العليا وتطوير خبراتي الأكاديمية والمهنية، لأنني أؤمن أن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند الحصول على الشهادة، بل يبدأ بعدها طريق جديد من التعلم والتطور.
ومن المواقف التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، أنني عندما تقدمت ذات مرة للحصول على وظيفة، سألني أحد المدراء: أين كنت تسكن أثناء دراستك؟ فأجبته: في السكن الطلابي التابع لمؤسسة أفق. فقال لي مباشرة: “إذا مادام وأنت خريج من سكن التميز، فأمورك سابرة.” كانت هذه العبارة بالنسبة لي أكبر من مجرد كلمة عابرة؛ فقد أدركت حينها أن الصورة التي يحملها الناس عن خريجي السكن ليست مرتبطة بمكان إقامتهم، وإنما بما يتعلمونه فيه من انضباط ومسؤولية وأخلاق. لقد كان السكن بالنسبة لي مدرسة للقيم والسلوك، ومجتمعًا يساعد الطالب على بناء نفسه وتهذيبها والسير في حياته وفق مبادئه وقيمه.
أتوجه بخالص الشكر والتقدير، إلى مؤسسة أفق للتعليم والتنمية وتقف كلماتي عاجزة أمام ما قدمتموه لي ولغيري من الطلاب. شكرًا لأنكم لم توفروا لي مجرد مكان للسكن، بل وفرتم لي فرصة حقيقية لبناء مستقبلي، وكنتم شريكًا أساسيًا في رحلة نجاحي. ما قدمتموه لم يكن دعمًا مؤقتًا، بل أثرًا سيبقى معي في حياتي العلمية والمهنية والإنسانية. وسأظل أعتز بأنني كنت أحد طلاب هذا السكن، وأنني خرجت منه ليس بشهادة جامعية فحسب، وإنما بتجربة وقيم ومهارات سترافقني في كل خطوة قادمة. دمتم سندًا وعونًا لكل طالب طموح، وصانعًا للفرص التي تتحول بها الأحلام إلى واقع.